
في نجع بعيد من نجوع الصعيد الجواني، نجع الطيبين اللي لسه القلوب فيه بتتوزن بالدهب، كان فيه بيتين لازقين في بعض، بيت الحاج صلاح وبيت أخوه الحاج إسلام، والبيتين بينهم حيط واحد بس القلوب كانت مفتوحة على بعضها طول العمر. الحاج صلاح كان عنده ولد واحد بس بعد بنتين، الولد ده كان حمادة، وحمادة ده كان واد زي القمر، طول بعرض وشهامة، من وهو صغير وهو راجل، يصحى الفجر يروح الغيط مع أبوه، ويرجع يذاكر، وكان كل النجع يحبه ويحلف بجدعنته.
أما الحاج إسلام فكان عنده تلات بنات، الكبيرة إيمان واتجوزت بدري وسافرت مع جوزها القاهرة، والتانية آيات لسه في الجامعة، والصغيرة يمنى، يمنى دي بقى كانت حكاية لوحدها. يمنى من وهي حتة لحمة حمرا وحمادة شايلها على كتفه، هو أكبر منها بست سنين، كان هو اللي يوديها الحضانة، وهو اللي يجيب لها الحلاوة من البندر، وهو اللي يزعق لأي عيل يبص لها، كبروا سوا حبة حبة لحد ما الحب دخل قلوبهم من غير ما يحسوا، مكنش حب مراهقة ولا كلام عيال، كان حب متأصل زي زرعة القمح في الأرض الطينية.
يمنى كانت تشوف حمادة راجلها من وهي عندها اتناشر سنة، تقول لآيات أختها أنا مش هتجوز غير حمادة، وآيات تضحك وتقول لها يا بت ده ابن عمك يعني مكتوب لك من يوم ما اتولدتي، وحمادة نفسه كان كل ما يشوفها قلبه يدق، كان يبص لها وهي بتضحك ويحس الدنيا كلها بتضحك معاها.
ولما يمنى بقت في تانية ثانوي وحمادة خلص دبلوم الزراعة ومسك أرض أبوه، الحاج إسلام والحاج صلاح اتفقوا خلاص إن الجوازة دي هتتم أول ما يمنى تخلص ثانوية عامة، والكلام اتقال في قعدة رجالة، والنسوان زغرطت، والنجع كله عرف إن يمنى لحمادة وحمادة ليمنى، ويمنى بقت تمشي في النجع وراسها مرفوعة وفرحتها مش سايعاها.
لحد ما في يوم اسود، جه عمدة النجع اللي جنبهم، عمدة كفر العرب، الراجل ده كان عنده أرض كتير ونفوذ وفلوس، وجات له مشكلة كبيرة مع الحكومة عشان الأرض اللي على الترعة، وكان محتاج حد يقف جنبه، وعينه وقعت على الحاج صلاح، لأن الحاج صلاح كان راجل محترم وكلمته مسموعة في المركز كله.
العمدة دخل على الحاج صلاح وقال له يا حاج صلاح أنا جايلك طالب القرب، أنا عايز ولدك حمادة لبنتي، وأنا هديك خمس فدادين على الترعة تكتبهم باسم حمادة، وهقف جنبك في انتخابات الجمعية الزراعية وهخلي كلمتك هي الكلمة في الناحية كلها، الحاج صلاح اتخض وقال له يا عمدة ده حمادة محجوز لبنت عمه يمنى وانت عارف، العمدة ضحك ضحكة صفرا وقال له يا حاج دي مصلحة، بنت عمك ايه اللي هتجيب لك، دي لا هتجيب لك أرض ولا نفوذ، أنا بنتي هتجيب لك عزوة.
الحاج صلاح روح البيت مهموم، قعد مع نفسه يفكر، الشيطان لعب في دماغه، الفلوس والأرض عمته، راح نده لحمادة وقال له يا ولدي اسمعني، العمدة طالبك لبنته، ودي فرصة عمرنا، هنبقى فوق فوق، حمادة اتصدم كأنه اتض.رب بالنا.ر، قال له يا بوي انت بتقول ايه، يمنى، يمنى اللي متربي معاها، اللي بحبها من وانا عيل، الحاج صلاح قام زعق وقال له حب ايه وكلام فاضي ايه، الحب ما بيأكلش عيش، انت هتتجوز بنت العمدة يعني هتبقى عمدة بعد أبوك.
أم حمادة دخلت تبكي وتقول له يا حاج سيب الواد يتجوز اللي بيحبه، بنت أخوك يتيمة يعني في مقام بنتك، الحاج صلاح ما سمعش كلام حد، وراح جاب عمامه وخواله كلهم وقعدوا يضغطوا على حمادة، يقولوا له أبوك عنده حق، المصلحة أهم، وبنت عمك لسه صغيرة وبكرة تنسى، وحمادة كان لوحده قصاد الكل، فضل يقاوم شهر واتنين، لحد ما الحاج صلاح رقد في السرير وقال أنا هامو.ت لو ما اتجوزتش بنت العمدة.
حمادة انكسر، راح ليمنى في الليل عند الترعة، كانوا متعودين يتقابلوا هناك، لقاها مستنياه وفرحانة، أول ما شافته وشه مقلوب، قالت له مالك يا حمادة، قال لها وهو بيعيط زي العيال الصغيرة، يا يمنى سامحيني، أبوي هيمو.ت، غصبوني، أنا مش قادر أقف قصادهم، يمنى اتجمدت، قالت له يعني ايه يا حمادة، يعني هتسيبني، قال لها غصب عني والله، أنا هفضل أحبك طول عمري، يمنى صرخت فيه وقالت له اللي بيحب ما بيسيبش، اللي ساب مرة يسيب ألف مرة، وجريت وسابته مرمي على الأرض بيعيط.
الفرح اتعمل بعدها بشهر، فرح كبير حضره المحافظ نفسه، وحمادة كان عامل زي التمثال، لابس بدلة ومش حاسس بحاجة، وبنت العمدة كانت بنت كويسة وطيبة واسمها نور، بس هو مكنش شايفها، كان شايف يمنى في كل حتة. أما يمنى فاتقفل عليها أوضتها أربعين يوم ما بتخرجش، لا بتاكل ولا بتشرب، آيات أختها كانت بتدخل لها بالعافية تأكلها لقمة، وإيمان جت من القاهرة مخصوص تقعد جنبها، تقول لها يا بت يا يمنى فوقي لنفسك، ده نصيب، يمنى تقول لها نصيب ايه، ده ظلم، حمادة باعني عشان الأرض.
الأيام عدت تقيلة، حمادة اتجوز وخلف ولد سماه صلاح على اسم أبوه، بس عمره ما داق طعم الفرح، كان كل يوم يروح الغيط يبص على بيت عمه من بعيد يشوف يمنى طالعة ولا نازلة، ونور مراته كانت حاسة وبتسكت، لأنها كانت بنت أصول وعارفة إنه مغصوب، وكانت بتعامله بما يرضي الله.



