روايات

حور

حور كانت بنت زي النسمة، عندها اتنين وعشرين سنة، عايشة مع امها عايدة في بيت صغير على قد الحال في حارة شعبية، ابوها ميت من زمان وملهاش غير اخوها مصطفي اللي اكبر منها بخمس سنين، مصطفي كان شاب طايش وبتاع مشاكل وطول الوقت عايدة بتدعي ربنا يهديه، حور كانت هي اللي شايلة البيت كله، بتشتغل في مشغل خياطة الصبح وبترجع تذاكر لعيال الحارة وتساعد امها، وكل الناس في الحارة بتحبها من ادبها وجمالها وهدوئها، كانت عينيها واسعة وسمرا وشعرها طويل وكانت لما بتضحك الحارة كلها بتنور.

الناحية التانية كان فيه جواد، شاب عنده تلاتين سنة، شغال مهندس ومعاه شركة مقاولات صغيرة ورثها عن ابوه جلال، جلال كان راجل طيب ومحترم وكل الناس بتحبه، جواد كان دراع ابوه اليمين وبيحبه حب مش طبيعي، ام جواد ماتت وهو صغير وجلال هو اللي رباه وعلمه كل حاجة، جواد كان شكله شديد وملامحه قاسية بس قلبه كان طيب زي ابوه، بس الدنيا علمته يبقى ناشف.

اللي حصل ان مصطفي اخو حور اشتغل سواق عند جلال ابو جواد، وفي يوم جلال ادى لمصطفي فلوس كتير عشان يروح يشتري خامات للموقع، مبلغ كبير يجي نص مليون جنيه، مصطفي الشيـ,ـطان لعب في دماغه وخد الفلوس وهرب، وفضل يصرف فيها على القمار والبنات والمخدرات، جلال لما عرف ان الفلوس اتسـ,ـرقت جاتله صدمة كبيرة لانه كان مدي الامان لمصطفي، راح عمل محضر في القسم، الحكومة دورت على مصطفي وملقيتهوش فاخدوا جلال نفسه بتهمة اهدار المال واختلاس لان الورق كله كان باسمه وهو اللي مضى انه استلم الفلوس، والمحامي قال ان لازم اللي خد الفلوس يظهر يا اما جلال هيلبس القضية ويدخل

السجن. جواد اتجنن لما ابوه دخل السجن ظلم، ابوه راجل عنده سبعين سنة وعيان بالقلب ومش حمل بهدلة السجن، جواد فضل يدور على مصطفي في كل حتة ومش لاقيه، لحد ما عرف من واحد ان مصطفي ليه اخت اسمها حور وام اسمها عايدة ساكنين في الحتة الفلانية، جواد راح هناك وشاف حور اول مرة وهي راجعة من الشغل وشايلة كيس فيه عيش وخضار وماشية تعبانة، قلبه اتهز من جمالها بس الشيطان كان راكبه، قال هي دي اخت الواطي اللي دخل ابويا السجن، والله لاخليه يندم.

جواد فضل يراقب حور كذا يوم وعرف كل حاجة عنها، عرف انها غلبانة وملهاش ذنب في اللي اخوها عمله، بس الغل كان عامي عينه، راح لامها عايدة وقالها انا جواد ابن جلال اللي اخوكي سـ,ـرقه ودخل السجـ,ـن، عايدة قعدت تعيط وتترجاه يسامحهم وانها ملهاش دعوة وان مصطفي هرب وسابهم حتى من غير مصاريف، جواد بص لحور وقالها بصي يا بنت الناس، انا عندي عرض ليكي، تتجوزيني وانا اطلع ابويا من السجـ,ـن واسيب اخوكي في حاله ومش هبلغ عنه، ولو موافقتيش هخلي اخوكي يتحبس عشر سنين وانتو هتترموا في الشارع لان الشقة دي ايجار متأخر بقاله شهور.

حور اتصدمت من الكلام ووشها اصفر، عايدة قالتله انت بتقول ايه يا ابني حرام عليك البت ملهاش ذنب، جواد قالها هو ده شرطي، اتجوزتك عشان اذلك واخليكي خدامة في بيتي بدل ابويا اللي مرمي في السجن بسبب اخوكي، حور بصت لامها لقتها بتعيط وبتترعش، فكرت ان امها لوحدها وملهاش حد ولو اخوها اتحبس سمعتهم هتبقى في الارض، قالتله موافقة بس بشرط تطلع ابوك وتسيبنا في حالنا، جواد ضحك بسخرية وقالها موافق.

الجواز تم بسرعة جدا، من غير فرح ولا زفة، جواد خد حور من ايدها وراحوا على شقته اللي كانت كبيرة وفخمة في منطقة راقية، من اول يوم قالها اسمعي يا حور، انتي هنا مش مراتي، انتي خدامة، هتغسلي وتمسحي وتطبخي وتسمعي الكلام وانتي ساكتة، فاهمة ولا لا، حور عينيها دمعت وقالتله فاهمة، جواد سابها ودخل اوضته وقفل الباب.

حور بدأت حياتها الجديدة اللي كانت عبارة عن جحيم، كانت بتصحى من الفجر تنظف الشقة كلها اللي كانت تلات اوض وصالة كبيرة ومطبخ وحمامين، تمسح وتكنس وتغسل المواعين وتعمل الفطار، جواد كان بينزل يفطر ولا حتى يبصلها ويقولها الاكل مالح الاكل بارد الشقة مش نظيفة، ولو ردت عليه كلمة كان بيزعق فيها ويقولها انتي ناسية انتي هنا ليه، انتي هنا عشان اذلك زي ما اخوكي ذل ابويا.

عايدة كانت بتيجي تزور حور كل فين وفين وجواد كان بيمنعها تدخل احيانا، حور كانت بتعيط في حضن امها وتقولها انا تعبت يا ماما، عايدة تقولها معلش يا بنتي استحملي بكرة ربنا يفرجها، مصطفي كان مختفي تماما ومبيسألش على امه ولا اخته.

عدت شهور على الحال ده، حور خست النص ووشها بهت من قلة الاكل والنوم والعياط، جواد كان ملاحظ انها بتتعب بس كان بيكابر ويقول لنفسه تستاهل، لحد ما في يوم جواد رجع من الشغل بدري لقى حور واقعة في المطبخ ومغمى عليها وجنبها صينية سخنة واقعة على الارض، اتخض جدا وجري شالها بسرعة، كانت مولعة نار وحرارتها عالية جدا وجسمها بيترعش، شالها ودخلها اوضة النوم وطلب الدكتور بسرعة.

الدكتور جه وكشف عليها وقال ان عندها التهاب رئوي حاد من البرد والتعب وقلة التغذية وانها بقالها فترة كبيرة مش بتاكل كويس وبتجهد نفسها جامد، ولازم ترتاح تماما وتتغذى كويس وتاخد العلاج بانتظام والا حالتها هتتدهـ,ـور، جواد سمع الكلام واتصدم، اول مرة يحس انه عمل حاجة غلط، قعد جنبها طول الليل وهي نايمة وسخنة وبتخـ,ـرف بكلام مش مفهوم، كانت بتقول يا ماما متسيبينيش يا ماما انا مظلومة والله ما عملت حاجة.

جواد فضل سهران جنبها يبصلها وهي نايمة، اول مرة يشوفها من غير خوف، شاف وشها البريء اللي بهت من التعب، شاف ايديها اللي اتشققت من الغسيل والمواعين، قلبه وجعه اوي، افتكر كل كلمة قاسية قالها ليها، كل مرة اهانها فيها، كل مرة خلاها تعيط وتنام من غير اكل، حس انه حيوان مش بني ادم، ازاي يعمل كده في بنت غلبانة ملهاش ذنب، ذنبها الوحيد انها اخت واحد ندل.

تاني يوم الصبح حور صحيت لقت جواد قاعد جنبها وماسك ايديها، اتخضت وسحبت ايديها بسرعة، قالها متخـ,ـافيش نامي وارتاحي، قالتله انا اسفة الاكل، قالها اكل ايه بس انتي عيانة اوي، انا اللي اسف، انا اللي اسف على كل حاجة عملتها فيكي، حور دموعها نزلت وقالتله ليه بتعمل فيا كده انا عملتلك ايه، انا طول عمري بصلي وبدعي ربنا يسترها معايا، اخويا انا مقاطعاه من يوم ما سـ,ـرق الفلوس وهرب وسابنا، انا وامى ملناش حد غير ربنا.

جواد مقدرش يمسك دموعه، لاول مرة من يوم ما ابوه دخل السجن يعيط، قالها ابويا كان كل حاجة ليا في الدنيا، لما دخل السجن حسيت ان الدنيا اسودت في وشي وكنت عايز انتقم من اي حد ليه علاقة بمصطفي، وكنتي انتي اللي قدامي، بس والله ما كنت اعرف انك بالطيبة دي وبالبراءة دي، سامحيني يا حور. حور سكتت ومردتش، جواد قام عملها شوربة بايديه وجابها ليها، وقالها لازم تاكلي عشان العلاج، حور كانت مستغربة التحول ده بس كانت تعبانة اوي فأكلت ونامت تاني.

من اليوم ده جواد اتغير مية وتمانين درجة، بقى هو اللي بيعمل كل حاجة في البيت، بيصحى بدري يعمل فطار ويطلع الشقة وينظفها، وبيجيب لحور العلاج في معاده وبيقعد يحكيلها حواديت عشان تنسى تعبها، واول حاجة عملها راح جاب عايدة تعيش معاهم عشان تاخد بالها من حور، عايدة اول ما شافت جواد بيعامل بنتها كويس قعدت تدعيله.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى