روايات

حكايات الكاتبة ملك إبراهيم

حاولت فاطمة تبرر بتوتر: “منصور…” قاطعتها كارما بسرعة وصوتها بدأ يترعش: “أنا مش زعلانة منك”. وبعدين عينيها لمعت بالدموع اللي خلاص مش قادرة تحبسها: “بس قولي له حاجة واحدة”. قالت فاطمة بلهفة: “إيه؟”. وقفت كارما مرة واحدة، كرامتها نفضتها من مكانها: “أنا مش جاية أشحت منكم”. خرجت من الأوضة قبل ما فاطمة تلحق ترد، خرجت وهي حافية ومش واخدة بالها من نفسها من شدة القهر: “دخلت الحوش وكانت حافية ومش واخدة بالها من نفسها من شدة القهر، منصور أول ما شافها اتفاجئ وقام واقف بحدة: إنتِ إيه اللي مطلعك هنا؟!”.

كارما وقفت قدامه، كانت بتترعش مش منه بس من وجعها اللي فاض بيها: “إنت اللي طلبتني مش كده؟”. قال بعناد: “أنا طلبت أختي تكلمك”. قالت بإصرار ودموعها على طرف عينها: “وأنا عايزة أتكلم معاك إنت”. الرجالة اللي كانوا لسه موجودين بصوا لبعض بتوتر وفاطمة وقفت مكانها وهي حاسة إن مصيبة هتحصل: “منصور قال بحدة وبيحاول يسيطر على الموقف: ادخلي جوا”. كارما هزت راسها بعناد ووجع: “مش هدخل”. عنيه ضاقت وصوته بقى أخشن: “كارما”. قالت بانفجار وكرامة مجروحة: “إنت مين عشان تسعرني بفلوس؟”.

الجملة خلت الحوش كله يسكت، سكوت تقيل ومحرج: “منصور قرب منها خطوة وعروقه باينة من الغضب: احترمي نفسك”. قالت والدموع نازلة على خدها بغزارة وصوتها بيرتعش من القهر: “أنا محترمة نفسي أكتر من أي حد هنا. بس إنتوا اللي أهانتوني”. قال وهو بيحاول ينكر: “أنا ما أهنتكيش”. ضحكت بوجع مرير: “إنت لسه من شوية بتبعتلي حد يقول لي خدي فلوسك وامشي”. سكت منصور ومالقاش رد، فكملت وهي بتبص له بعتاب كبير: “فاكرني اتجوزت عادل عشان فلوسه؟”.

قال بسرعة: “أنا ما قلتش كده”. قالت وهي كاشفة اللي جواه: “بس ده اللي فاكره”. وسكتت لحظة تاخد نفسها: “عادل كان بيحوش فلوسه عشاننا. وفي فترات كتير كان بياخد مصروفه مني”. منصور بص لها باستغراب حقيقي: “منك؟”. هزت راسها بتأكيد ووجع: “أيوه. أنا كنت بشتغل وكنت بصرف عليه لما كان محتاج. وعمره ما حسسني إني أقل منه ولا عمره حسسني إن الفلوس أهم مننا”. عيني منصور اهتزت لأول مرة، صورة كارما في دماغه بدأت تتهز: “لكن الغضب غلبه وقال وهو بيحاول يرجع هيبته: إنتِ عارفة إنتِ بتكلمي مين؟”.

كارما بصت في عينيه مباشرة من غير خوف، نظرة مليانة دموع وكرامة: “عارفة”. نزلت دمعة سخنة: “بكلم واحد ظلمني قبل ما يعرفني”. صوتها انكسر تماما: “وده أوجعني أكتر من إنك تطلب مني أمشي”. منصور سكت، الكلمة دخلت جواه بشكل ماكانش مستعد له، كلمة رشقت في قلبه: “ولأول مرة حس إنه يمكن يكون ظلمها فعلًا، لكنه قال بصرامة بيحاول يداري تأثره: اطلعي أوضتك دلوقتي”. كارما مسحت دموعها بظهر إيدها بعناد طفولي موجوع: “مش عشان إنت كبير العيلة يبقى من حقك تكسرني”.

ولفت ومشيت بخطوات تقيلة وموجوعة: “منصور فضل واقف مكانه وأول مرة من سنين كلمة واحدة من ست فضلت ترن في دماغه طول الليل: ظلمتني قبل ما تعرفني”. تاني يوم كارما صحيت متأخرة، كانت مرهقة وتقيلة: “كانت مرهقة جسمها كله تقيل من العياط وقلة النوم ودخلت المطبخ لقت التلاجة مليانة وفتحتها وطلعت بيضة بيد مرتعشة”. وكان منصور قاعد على الترابيزة بيشرب شاي وبيراجع حسابات الأرض، أول ما شافها اتضايق: “رفع عينه لما شافها واتضايق وقال بنبرة حادة: إنتِ بتعملي إيه هنا؟”.

ردت بهدوء بتحاول تحافظ على ثباتها: “بفطر”. قال باستنكار: “مين قالك تنزلي؟”. قالت ببساطة: “محدش”. وقشرت البيضة ببرود متعمد: “أنا مش طفلة”. منصور ضغط على أسنانه وغضبه بيزيد من برودها: “أنا قلتلك ماتطلعيش”. كارما بصتله بتحدي هادي: “وأنا قلتلك إني مش خدامة عندك”. حس إن أعصابه بتشد وقلبه بيدق بسرعة من استفزازها: “إنتِ بتتعمدي تستفزيني؟”. ابتسمت ابتسامة صغيرة عنيدة: “يمكن”. سكت وبلع ريقه وبعدين قال وهو بيحاول يجرها لكلام الفلوس: “عادل كان عامل حسابات الأرض باسمك؟”.

كارما رفعت حاجبها باستغراب من سؤاله: “لأ”. قال بحسم كأنه بيأمن نفسه: “يبقى الأرض مش من حقك”. حطت البيضة في طبق بهدوء وثقة: “أنا مش طالبة أرض”. منصور اتفاجئ من ردها: “أمال طالبة إيه؟”. بصتله بوجع عميق وكرامة: “كرامتي”. الجملة خلت منصور يسكت، حس إنها ضربته في مق/تل: “وبعد لحظة قالت بنبرة هادية بس موجوعة: أنا هاخد حق عادل القانوني ولو فيه فلوس تخصني هاخدها. بس أرض العيلة مش هدخل فيها”.

منصور لأول مرة بص لها باهتمام حقيقي، نظرة مختلفة: “كانت مختلفة عن الصورة اللي رسمها في دماغه، مش واحدة داخلة تاخد الأرض لكن واحدة عايزة تخرج من البيت من غير ما حد يكسرها، قال بهدوء أول مرة: طيب”. كارما استغربت هدوءه: “طيب إيه؟”. قال بنظرة ثابتة: “خدي وقتك”. ومشي وسابها مستغربة: “كانت أول مرة تشوف منه تنازل ومش عارفة ليه قلبها دق بخفة غريبة”. مرت أسابيع ومنصور ماكانش بيعترف لنفسه بحاجة، كان بيكابر: “لكن وجود كارما في البيت بدأ يغير تفاصيل يومه، كان يلمحها وهي قاعدة لوحدها ويسمع صوتها وهي بتتكلم مع فاطمة ويشوفها وهي بتضحك ضحكة صغيرة رغم حزنها”.

وكان كل مرة يشوفها يفتكر إنها أرملة أخوه فيبعد عينه بسرعة ويقول لنفسه بعنف: “دي مرات عادل”. لكن قلبه كان بيرد عليه بصوت واطي بيوجعه: “بس هي كارما”. وكان يكره نفسه على السؤال ده ويسأل روحه بضيق: “ليه بقى مهتم بيها؟”. بعد حوالي شهر حصل أول موقف حقيقي غيّر حاجة جواه: “كان واحد من أقارب العيلة بيتكلم عن كارما قدام الرجالة باستهانة: هي أصلاً غريبة عننا ومش ناقصين مشاكلها”. منصور سمع ودمه فار: “وكان ممكن يعدي لكنه وقف وقال بصوت عالي وغاضب: إنت بتتكلم عن مرات أخويا”.

الرجل اتوتر وارتبك: “أنا قصدي…” قطعه بحدة وحزم: “مرات أخويا ليها احترامها”. سكت الرجل ومنصور مشي وهو نفسه مصدوم من رد فعله: “لأول مرة حس إنه مش بس بيحمي اسم أخوه كان بيحمي كارما نفسها”. مرت شهور وكارما ما نسيتش عادل: “كانت كل ليلة تقريبًا تدخل أوضتها وتقفل الباب وتفتح صندوق صغير فيه صورهم وتبكي بحرقة هادية”. لكن بكاءها بدأ يتغير، الوجع بياخد شكل تاني: “في البداية كان بكاء فقد وبعدها بقى بكاء اشتياق وبعدها بقى حنين هادي وكانت بتتعلم تعيش من غيره بوجع أقل”.

وفي وسط ده كله بدأ منصور يدخل حياتها من غير ما يقصد، من غير ما يحس: “مرة يسيب لها الفطار من غير ما يقول ومرة يسأل فاطمة بقلق متداري: كارما أكلت؟ ومرة يرجع من البلد ومعاه حاجة عارف إنها بتحبها ويحطها قدام باب أوضتها من غير ما يقول إنها منه”. كارما بدأت تلاحظ بقلب بيدق: “وفي ليلة قالت لفاطمة بحيرة: أخوكي ده غريب”. فاطمة ضحكت بذكاء: “ليه؟”. قالت وهي تفتكر تصرفاته المتناقضة: “مرة يكرهني ومرة يتصرف كأنه مسؤول عني”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى