روايات

جاد ورحمه ملك إبراهيم

رحمة بصت في الأرض وقالت بصوت مقطوع: “حاضر يا عمي.” وجرت من الصالة وهي بتعيط، سايبة وراها الشربات الأحمر على الأرض كأنه دم. فؤاد بيه حاول يلم الموضوع، ومسح على وشه بمناديل وهو بيضحك ضحكة صفرا: “حقك عليا يا باشمهندس … البنت دي بس يعني… أصلها غلبانة وعلى قد حالها… دي الخدامة اللي عندنا في البيت. بنت أخويا الله يرحمه وبنربيها معانا. متاخدش في بالك.”

جاد كان واقف ساكت من ساعة ما الصينية وقعت. عينه متابع رحمة وهي بتجري. شاف الكسرة في عينيها، شاف إيديها اللي اتعورت من الإزاز وهي بتحاول تلمه، شاف إزاي عمها ومراته بيهينوها قصاد الناس الغريبة. حاجة جواه اتحركت… مش شفقة، لأ. ده غضب. نفس الغضب اللي حاسس بيه من الدنيا كلها ومن خيانة ريم. بهدوء قاتل، جاد مد إيده وقفل زرار بدلته . بص لفؤاد بيه في عينه، وبعدين بص لسميرة هانم اللي وشها جاب ألوان، وبعدين بص لبسنت اللي كانت مستنية يقول أي حاجة تنقذ الموقف.

قال بصوت واطي بس واصل لكل واحد فيهم، وكأنه بيصدر حكم: “خدامة؟… لأ. أنا قولت كلمتي. أنا مش هتجوز غير البنت دي.” الكل اتكهرب. بسنت نطت من مكانها وصرخت: “نعم؟! إنت اتجننت؟! دي … دي ملهاش أصل ولا فصل! إنت جاي تهزر؟!” قاطعها جاد وهو بيلبس نضارته الشمس، وعينه مبقتش باينة: “كلامي خلص. عن إذنكم.” ولف ومشي من الفيلا كلها، خطواته ثابتة، سايب وراه قنبلة انفجرت. “جاد! يا جاد استنى!” سميرة هانم قامت جري وراه وهي مش مصدقة اللي سمعته. لحقته عند الجنينة. “إنت بتقول إيه يا ابني؟! اتجننت؟! عايز تجيبلي العار؟! عايز تتجوز الخدامة وتسيب بنت فؤاد الشربتلي؟!”

جاد وقف عند عربيته وفتح الباب، وبص لأمه بصة لأول مرة تشوفها. بصة واحد قرفان، مجروح، وواخد قرار: “العار يا أمي هو اللي كان هيحصل جوة ده. العار إنك تجيبيني هنا تتاجري بيا في قعدة صالونات بعد ما بني آدمة كسرت قلبي. العار إنكوا تهينوا بنت يتيمة قصادكم عشان تلمعوا بنتهم. أنا ماشي… ولما أرجع البيت نبقى نتكلم.” وركب وسابها واقفة في الجنينة مش مستوعبة، وهو سامع صوت صريخ بسنت جاي من جوة. جوة الفيلا، القيامة قامت.

بسنت كانت بتصرخ زي المجنونة وبترزع في الأرض برجليها: “شوفت يا بابي؟! شوفت عملت فيا إيه؟! كل عريس… كل عريس يجيلي يشوف البتاعه دي فيعجب بيها! هي السبب! هي اللي ساحرة لهم! أنا بكرهها! لازم تمشي من هنا… حالاً! يا أنا يا هي في البيت ده! طلقني منها يا بابا!” مديحة هانم كانت بتلطم على خدها: “يا فضيحتي! يا فضيحتي! الناس هتقول علينا إيه؟ بنتنا اتسابت عشان الخدامة!” فؤاد بيه كان حاسس بالإهانة، وكرامته كرجل أعمال كبير اتبعترت. ضرب بإيده على الترابيزة لحد ما الفناجين اتهزت: “بس! كلكوا اخرسوا!”

مسك موبايله واتصل بالدادة فوق: “خلي الزفتة اللي اسمها رحمة تنزلي حالاً!” بعد دقايق نزلت رحمة وعينيها وارمة من العياط، وإيديها متعورة وملفوفة بمنديل ورق. كانت لسه لابسة المريلة المبقعة شربات. فؤاد بيه قال لها بكل قسوة وهو مبيبصش في وشها: “لمي هدومك. إنتي سامعة؟ كل هدومك. أنا مش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني. إنتي مطرودة. روحي شوفي هتترمي في أنهي داهية.” رحمة اتصدمت. ركبها سابت. “يا عمي… أروح فين؟ مليش حد… غيركم … أبوس إيدك… أنا أسفة…”

“قولتلك برة!” زعق فيها لدرجة إنها اتنفضت. “مش عايز أسمع صوتك. بسببك بقيت مسخرة! بسببك بنتي هتضيع من إيدي! يلا… قبل ما أخلي البودي جارد يرموكي في الشارع!” بسنت شاورت عليها بصباعها وهي بتضحك بشماتة من وسط دموعها: “خليها تغور! خليها تدوق الشارع عامل إزاي! عشان تعرف مقامها!” رحمة ماقدرتش ترد. طلعت أوضتها الصغيرة اللي فوق السطح… أوضة الخدامين. لمت هدومها القليلة في شنطة قديمة، وحضنت صورة أبوها وأمها وعيطت لحد ما نفسها اتقطع. نزلت وهي بتجر الشنطة، ومحدش منهم حتى قال لها مع السلامة.

في نفس الليلة، رحمة كانت قاعدة في جنينة عامة قريبة، شنطتها الصغيرة جنبها. الدنيا ليل وبرد شهر فبراير، وهي مش عارفة تروح فين. تليفونها مفيهوش رصيد، وممعهاش غير 50 جنيه. الليل كله بتفكر في بسنت… بنت عمها. رغم قسوتها، بس دي اللي اتربت معاها. ولو هي اتجوزت جاد، بسنت قلبها هيتكسر، وسمعتها في العيلة هتتدمر. “يارب… يارب حلها من عندك” قالتها وهي باصة للسما. تاني يوم الصبح الساعة 8، كانت واقفة قدام برج “الجارحي جروب”. أجمل برج في القاهرة كله إزاز. الأمن منعها في الأول، بس بعد محايلة نص ساعة ودموع، واحدة من الموظفات صعبت عليها ودخلتها للسكرتيرة.

قالت للسكرتيرة وهي بتترعش: “أبوس إيدك… عايزة أقابل الباشمهندس جاد الجارحي… قوليله رحمة… بتاعة الشربات… ضروري.” السكرتيرة استغربت بس كلمت جاد على التليفون الداخلي. بعد دقيقة قالت لها: “اتفضلي… الباشمهندس مستنيكي.” دخلت مكتبه. كان قاعد ورا مكتبه الضخم، لابس قميص أسود وبيبص من الإزاز على القاهرة كلها من فوق. لما دخلت، لف بالكرسي وبص لها ببرود. شكله وهو متعصب أهون من شكله وهو بارد كده. “خير؟” قال كلمة واحدة. رحمة بلعت ريقها ودموعها نزلت غصب عنها. وقعت على ركبها في نص المكتب.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى