
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة لنور.
وفي الخلفية كانت جالسة على كرسي داخل غرفة مظلمة.
وتحت الصورة
لو عايزين نور ترجع… هاتوا صوفيا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
ثم ظهرت رسالة ثانية بعد ثوانٍ
ومتجيبوش ياسين لوحده…
لأننا عارفين إنه مش هييجي لوحده كمال قفل الهاتف بسرعة، لكن ياسين كان شاف الرسالة.
المكان اللي بدأت فيه الحكاية… يعني إيه؟
كمال بص له وقال
المكان اللي حصلت فيه أول مقابلة بين أبوك وأبو نور.
فين؟
كمال أخرج ورقة قديمة من جيبه.
كان عليها عنوان مزرعة مهجورة خارج المدينة.
ياسين عرف المكان فورًا.
دي مزرعة أبويا.
كمال هز رأسه.
المزرعة اتقفلت من سنين.
بس فيه حاجة مش فاهمها… ليه عايزين صوفيا تحديدًا؟
كمال سكت.
ياسين اقترب منه
إنت عارف.
أيوه.
اتكلم.
كمال نظر لصوفيا، ثم قال
لأن نور قبل الحادث بأسبوع اكتشفت إن فيه صندوق مخبي في المزرعة.
صندوق؟
جواه مستندات قديمة.
مستندات إيه؟
نور كانت بتقول إن المستندات دي تثبت إن والدك اتعرض للابتـ,ـزاز قبل ما يمـ,ـوت.
ياسين عقد حاجبيه
وإيه علاقة صوفيا؟
كمال قال
نور اكتشفت إن المفتاح الوحيد للصندوق…
وتوقف.
ياسين شعر بقشعريرة.
فين؟
كمال أشار إلى صوفيا.
كان متعلق في رقبة صوفيا يوم ولادتها.
ياسين بص لابنته بسرعة.
تذكر الغويشة القديمة التي سقطت منها في الدار.
أمسك يدها بلطف.
صوفيا، ماما ادتك حاجة قبل ما تيجي هنا؟
البنت هزت رأسها.
أيوه.
إيه؟
قالت
قالتلي أخبيها وما أديهاش لحد إلا لما أشوف بابا.
فتحت جيب فستانها الصغير.
وأخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
كمال أول ما شافه تغير وجهه.
ده هو.
ياسين أخذ المفتاح.
لكن خلفه كان مكتوب رقم صغير
17.
قال كمال
مش رقم خزنة.
أمال إيه؟
رقم الغرفة.
غرفة إيه؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت ارتطام من خارج الدار.
ثم صوت رجل يصرخ
محدش يتحرك!
رجال الأمن اندفعوا ناحية النوافذ.
ياسين أخفى صوفيا خلفه.
لكن كمال قال فجأة
إحنا اتكشفنا.
مين؟
كمال بص إلى شاشة المراقبة.
كانت كل الكاميرات تعرض نفس الصورة.
غرفة رقم 17.
ثم ظهرت نور داخل الغرفة.
كانت واقفة أمام باب حديدي، وفي يدها ورقة.
رفعت الورقة أمام الكاميرا.
وكان مكتوبًا عليها
ياسين… متفتحش الغرفة إلا لو كنت مستعد تعرف الحقيقة عن أبوك.
ثم انطفأت الشاشة.
وفي نفس اللحظة…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف ياسين
قدامك ساعة واحدة.
إما المفتاح يوصلنا…
أو نور مش هتشوف الشمس تاني ياسين شد على المفتاح في إيده وقال
مش هسيبها.
كمال قرب منه
يبقى لازم نروح المزرعة.
لوحدنا؟
لا. معاكي صوفيا.
ياسين هز رأسه
صوفيا مش هتتحرك من هنا.
لكن صوفيا رفعت عينيها وقالت بهدوء غريب
ماما قالتلي لازم أروح مع بابا.
الجميع سكت.
ياسين نزل لمستواها
ماما قالتلك إيه بالظبط؟
البنت همست
قالتلي لما بابا يلاقي المفتاح، هيفهم ليه هي عملت كده.
عملت إيه؟
صوفيا هزت رأسها
معرفش.
ياسين بص لكمال.
هنروح.
بعد دقائق خرجوا من الدار وسط حراسة مشددة.
لكن قبل ما يركبوا العربية، الست العجوز جريت وراء ياسين.
استنى!
التفت.
كانت تحمل ظرفًا قديمًا.
نور سابته عندي من خمس سنين وقالتلي ما أديهولكش غير لما صوفيا توصل لك.
ياسين فتح الظرف.
وجد رسالة قصيرة
ياسين، لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت إني أحميك من الحقيقة.
تحتها
المزرعة مش المكان اللي هتلاقيني فيه.
ثم سطر أخير
المزرعة هي المكان اللي هتكتشف فيه مين كان بيحاول يحمينا.
ياسين رفع رأسه.
يعني إيه؟
لكن الست العجوز لم تعرف.
ركب ياسين السيارة، وصوفيا بجواره، وكمال في السيارة خلفه.
وبعد حوالي نصف ساعة، ظهرت المزرعة من بعيد.
المكان كان مهجورًا، والبوابة الحديدية نصف مفتوحة.
ياسين نزل من السيارة.
لاحظ أن القفل مكسور حديثًا.
دخلوا.
المزرعة كانت مظلمة تمامًا.
كمال أضاء مصباحه.
الغرفة 17 كانت في المبنى القديم.
وصلوا إليها.
الباب كان عليه قفل نحاسي قديم.
ياسين أخرج المفتاح.
أدخله.
تك.
القفل فتح.
فتح الباب ببطء.
الغرفة كانت خالية تقريبًا.
طاولة خشبية.
كرسي.
وخزانة حديدية.
لكن على الحائط كانت هناك عشرات الصور.
صور لياسين.
صور لنور.
صور لصوفيا وهي طفلة.
وصور لهم طوال السنوات الماضية.
ياسين شعر بالصدمة.
حد كان بيراقبنا.
كمال اقترب من إحدى الصور.
مش حد…
ثم أشار إلى صورة قديمة.
كان يظهر فيها والد نور.
وبجانبه رجل آخر.
كمال قال بصوت مرتجف
ده سامح.
ياسين التفت إليه.
إنت قلت إنه اختفى.
أيوه.
يبقى مين كان بيصور الصور دي؟
فجأة اشتغل جهاز تسجيل قديم على الطاولة.
وصوت نور خرج من السماعة
ياسين… لو وصلت هنا، يبقى سامح سبقك.
ياسين اقترب من الجهاز.
ثم جاء صوت نور مرة أخرى
بس سامح مش عدوك.
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم قالت نور
العدو الحقيقي أقرب لك مما تتخيل.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت باب المزرعة يُغلق بعنف.
كمال رفع سـ,ـلاحه..
ثم جاء صوت من خارج الغرفة
ياسين… بلاش تدور أكتر.
ياسين عرف الصوت فورًا.
صوت شخص كان يثق فيه طوال حياته ياسين وقف مكانه، ووشه اتغير.
الصوت كان واضحًا.
مدير مكتبه القديم.
الرجل الذي اختفى بعد حادث نور مباشرة.
كمال همس
متفتحش الباب.
لكن ياسين رد
لا… المرة دي أنا اللي هخليه يدخل.
فتح الباب فجأة.
لم يكن هناك أحد.
فقط ممر طويل مظلم.
ثم ظهر الرجل في آخر الممر، ورفع يديه ببطء.
أنا مش جاي أحاربك يا ياسين.
ياسين صرخ
فين نور؟!
في مكان آمن.
إنت اللي أخدتها؟
لأ.
يبقى مين؟
الرجل نظر إلى كمال.
ثم قال
أخوك عارف.
كمال تقدم نحوه
كفاية.
الرجل ابتسم
لسه هتفضل تخبي عليه؟
ياسين التفت لكمال.
تخبي إيه؟
كمال سكت.
كمال!
الرجل قال
قول له.
كمال أخيرًا رفع عينه.
نور طلبت مني أساعدها تختفي.
ياسين تجمد.
إنت؟
أيوه.
ليه؟
كمال قال
لأنها كانت عارفة إن حد من عيلتنا هو اللي بيدور عليها.
ياسين اقترب منه
مين؟
كمال لم يجب.
الرجل أخرج ورقة من جيبه ووضعها أمام ياسين. اقرأ دي.
كانت ورقة بخط نور.
كمال، لو حصل لي حاجة، متقولش لياسين الحقيقة إلا لما صوفيا تكبر وتقدر تحمي نفسها.
ياسين قرأها مرة أخرى.
ثم قال
الحقيقة إيه؟
كمال قال
إن نور ما اختفتش خوفًا على نفسها.
ثم نظر إلى صوفيا.
هي اختفت خوفًا على بنتها.
صوفيا بدأت تبكي.
أنا عملت إيه؟
ياسين ضمها إليه
إنتِ معملتيش حاجة يا حبيبتي.
لكن الرجل قاطعه
المشكلة مش في صوفيا.
أمال في إيه؟
قال
في اللي صوفيا شافته ليلة الحادث.
ياسين اتجمد.
هي كانت موجودة؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
بس كانت رضيعة!
صحيح.
يبقى إزاي شافت حاجة؟
الرجل أشار إلى صندوق صغير فوق الخزانة.
لأن نور سجلت كل حاجة.
ياسين فتح الصندوق.
في داخله كان هناك جهاز تسجيل صغير.
شغله.
وصوت نور خرج مرتجفًا
ياسين… لو سمعت التسجيل ده، لازم تعرف إن الحادث ماكانش أول محاولة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
المحاولة الأولى حصلت في بيتنا… والشخص اللي دخل البيت في الليلة دي كان شايل صوفيا بين إيديه.
ياسين بص إلى كمال.
كمال أصبح شاحبًا.
وفجأة…
انفتح باب الغرفة من خلفهم.
ودخلت امرأة ترتدي معطفًا أسود.
رفعت عينيها إلى ياسين.
وكان أول شيء قالته
متخافش يا ياسين… أنا عارفة مكان نور المرأة وقفت عند الباب، والجميع بص لها بحذر.
ياسين قال
إنتِ مين؟
خلعت غطاء رأسها ببطء.
كمال أول ما شافها قال
مستحيل…
المرأة بصت له وقالت
كنت عارفة إنك هتفضل تخبي الحقيقة عنه.
ياسين بص بينهما
إنتوا تعرفوا بعض؟
قالت
أنا كنت ممرضة نور.
ثم أخرجت بطاقة قديمة تثبت هويتها.
أنا اللي استلمتها في المستشفى ليلة الحادث.
ياسين اقترب منها
قولي الحقيقة.
الممرضة تنهدت
نور وصلت المستشفى مصابة، لكنها كانت واعية.
ياسين تجمد.
يعني كانت تقدر تتكلم؟
أيوه.
قالت إيه؟
الممرضة نظرت إلى صوفيا.
سألت عن بنتها.
ياسين ابتلع ريقه.
وبعدين؟
قالتلي جملة واحدة محدش يعرف إن صوفيا عايشة.
كمال قاطعها
ليه؟
الممرضة بصت له
لأنها كانت عارفة إن فيه حد داخل المستشفى.
ياسين قال
مين؟
الممرضة أخرجت صورة من حقيبتها.
كانت صورة لرجل يقف في ممر المستشفى.
ياسين قرب الصورة.
ده.
..
كان الرجل هو والده.
لكن ياسين تذكر شيئًا.
والده كان قد توفي قبل الحادث بسنوات.
رفع رأسه
دي صورة قديمة.
الممرضة هزت رأسها
لأ.
ثم قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها تاريخ.
بعد وفـ,ـاة والدك بعامين.
كمال اقترب منها
إنتِ متأكدة؟
أنا اللي صورتها.
ياسين بدأ يشعر أن كل شيء حوله أصبح غير منطقي.
يعني أبويا كان عايش؟
الممرضة قالت
مش بالضرورة.
يعني إيه؟
اللي في الصورة كان شبهه جدًا… لكن نور قالت إنه مش أبوك.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وقالتلي إنه الشخص الوحيد اللي يقدر يفسر ليه والدك مات.
وفجأة سمعوا صوت خطوات سريعة خارج الغرفة.
كمال أمسك بذراع ياسين
لازم نمشي.
مش قبل ما أعرف نور فين.
الممرضة قالت
أنا هقولك.
ثم اقتربت منه وهمست
نور موجودة في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
فين؟
أخرجت ورقة صغيرة.
كان عليها عنوان.
ياسين قرأه.
وتغير وجهه.
لأن العنوان كان
المستشفى نفسها التي أعلن فيها وفـ,ـاة نور قبل ثماني سنوات.
وقبل ما يتحركوا، وصلت رسالة على هاتف ياسين
لو وصلت للمستشفى، هتعرف الحقيقة كلها.
ثم رسالة ثانية
لكن خلي بالك… نور مش الشخص الوحيد اللي هتلاقيه هناك وصل ياسين للمستشفى بعد منتصف الليل، وصوفيا معه، بينما كمال والممرضة في السيارة الخلفية.
المبنى كان هادئًا بشكل مخيف.
أول ما دخلوا، لاحظ ياسين شيئًا غريبًا.
موظف الاستقبال بص له للحظات، ثم قال
أنت ياسين السيوفي؟
ياسين توقف.
أيوه.
الرجل أخرج مفتاحًا قديمًا ووضعه أمامه.
في حد سابهولك من زمان.
مين؟
قال لي لو رجعت للمستشفى يومًا… أديهولك.
ياسين أمسك المفتاح.
كان نفس نوع المفتاح الموجود مع صوفيا.
لكن عليه رقم
17.
كمال قال
الغرفة 17.
صعدوا للطابق القديم.
الممر كان خاليًا.
وعندما وصلوا للغرفة، وجدوا الباب مفتوحًا.
دخل ياسين.
الغرفة كانت مليئة بملفات قديمة.
وفي المنتصف كان هناك كرسي.
وفوقه جهاز تسجيل.
ضغط ياسين على زر التشغيل.
خرج صوت نور
لو إنت هنا، يبقى أخيرًا عرفت إن وفـ,ـاتي كانت كذبة.
ياسين غمض عينيه.
نور…
واصل التسجيل
أنا عارفة إنك هتسأل ليه اختفيت.
سكت الصوت لحظة.
السبب إن الشخص اللي حاول يقـ,ـتلني كان عايز يوصل لك عن طريقي.
ياسين شد قبضته.
ثم قالت نور
لكن فيه حاجة أخطر… أنا اكتشفت إن اللي حصل لنا مرتبط بسر قديم في عيلتك.
التسجيل توقف.
ثم اشتغل من جديد بعد ثوانٍ.
ياسين، متصدقش كمال بالكامل.
كمال تراجع خطوة.
ياسين التفت إليه.
ثم عاد صوت نور
لكن متعتبرهوش عدوك.
كمال أغمض عينيه.
كانت عارفة…
وفجأة سمعوا صوت بكاء طفل من الغرفة المجاورة.
صوفيا شدت إيد أبوها.
بابا… ده صوت طفل.
ياسين فتح الباب المجاور.
الغرفة كانت فارغة.
لكن كان فيها سرير صغير، وفوقه بطانية مطرزة باسم
نور.
الممرضة اقتربت ببطء.
ثم شهقت.
أنا أعرف البطانية دي.
إزاي؟
دي كانت مع نور ليلة الحادث.
ياسين لمس البطانية.
وفجأة لاحظ شيئًا مخبأ داخل طرفها.
خيط سميك.
فكّه.
خرجت ورقة صغيرة.
فتحها.
كان مكتوبًا بخط نور
لو وصلت هنا، دور تحت السرير رقم 4.
ذهب ياسين للغرفة القديمة، ورفع السرير.
وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتح الصندوق.
كان بداخله سجل ولادة.
قرأ الاسم.
ثم توقف تمامًا.
الاسم المكتوب لم يكن صوفيا.
كان اسم طفل آخر.
وتاريخ الميلاد…
هو نفس تاريخ ميلاد صوفيا.
ياسين رفع رأسه ببطء
إيه ده؟
الممرضة بدأت تبكي.
كمال اقترب من الصندوق، وما إن قرأ الاسم حتى قال
دلوقتي فهمت ليه نور كانت خايفة…
وفجأة سمعوا صوت باب المستشفى الرئيسي يُغلق.
ثم جاء صوت عبر مكبرات الصوت
ياسين السيوفي… لو عايز تعرف الحقيقة عن بنتك، تعالى للدور السفلي لوحدك.
ياسين نظر لصوفيا.
ثم للملف.
وأدرك أن سر الغرفة 17 لم يكن عن نور وحدها… بل عن صوفيا نفسها أكيد، دي النهاية كاملة ومقفولة
ياسين بص للصندوق، ثم بص لصوفيا، وأخيرًا للورقة اللي لقاها.
يعني إيه اسم طفل تاني؟
الممرضة قربت منه وقالت
لأن نور يوم الحادث كانت بتحاول تحمي سر أكبر من مجرد وجود صوفيا.
فتح ياسين سجل الولادة بالكامل، فاكتشف الحقيقة الاسم الموجود كان اسمًا احتياطيًا سُجل به ملف صوفيا في المستشفى لحمايتها من أي شخص يحاول تتبعها. لم يكن هناك طفل آخر، ولا علاقة محرمة، ولا سر في نسبها.
صوفيا كانت ابنته فعلًا.
والدها هو ياسين السيوفي.

